هشام جعيط

387

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

شكل من أشكال الوعظ " الشيعي " : وكانت بعض القبائل تتأثر بسهولة أكثر من بعضها الآخر ، كما كانت بعض الفئات الاجتماعية ، داخل القبيلة ، تتأثر أكثر من بعض الفئات الأخرى . في واقع الأمر ، يجب ألا ننظر إلى موقف همدان السياسي أو إلى موقف مذحج كأنه موقف واحد لا يتخلله تمايز ولا اختلاف : ذلك أن التنظيم الأفقي للبنية القبلية ، يواكبه تنظيم عامودي اجتماعي يتيح إظهار اختلاف المواقف . كان الأشراف ، بعامّة ، معادين لثورة المختار منذ أن اندلعت ؛ ثم أصبحوا أكثر عداء لها عندما طالبت بتحرير العبيد والموالي . من أصل سبعة زعماء قبائل ، سعوا إلى الوقوف في وجه الثورة ، كان هناك أربعة زعماء يمنيون « 1 » . وقد ضمت مؤامرة الأشراف ، بعد انفجار الثورة ، زعماء قبائل من بجيلة وخثعم والأزد ، وكذلك من ربيعة وتميم . كانت مضر كلها مجتمعة في الكناسة تحت قيادة شبث بن ربعي ، وكانت اليمن مجتمعة تحت قيادة عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني « 2 » في جبانة السّبيع . كانت حماية نظام المصالح والدفاع عنها أقوى بكثير من العواطف الإيديولوجية . ولكن في صف المختار ، كانت تقف أكثرية يمنية جاءت من الفئات الشعبية وتولى تنظيمها وتأطيرها أشراف مغمورون . ولئن كان إبراهيم بن الأشتر قد دعم الانتفاضة ، فإنما فعل ذلك عن قناعة بالقضية وبدافع من الطموح الشخصي والتقليد العائلي في آن معا . ومن المؤكد أن اليمنيين خاضوا أقسى المعارك وتكبدوا أكثر الخسائر ، وأن قدرة عظيمة على الوفاء والإخلاص لأسرة النبي طبعت موقفهم ، وتعدّت التقسيم الاجتماعي الهرمي ، متجاوزة حدود التضامن القبلي . فتمكنت بذلك الأجيال الجديدة ، في السنوات الستينيات للهجرة ، من الاضطلاع بالمهمة بكاملها . فحجر بن عدي في العام 51 الهجري ، وعروة بن هانئ المرادي في العام 60 الهجري ، كانا يناضلان في العزلة ؛ تكونت هذه المرة حركة استندت إلى قاعدة واسعة ، وكانت هذه القاعدة ذات أكثرية يمنية ساحقة . على أية حال ، لم يكن هناك علاقة واضحة وواعية بين الانخراط في هذه الحركة وبين الانتماء اليمني . ظهرت أهمية النظام الاجتماعي المحض ، وبرزت قوة الجمود المتجسد في العلاقة العميقة بين السلطة والأشراف ، مرة ثانية ، أثناء ثورة زيد بن علي في العام

--> ( 1 ) الطبري ، 6 ، ص 18 . ( 2 ) المصدر نفسه ، 6 ، ص 45 ؛ أنساب الأشراف ، 5 ، ص 232 .